محمد بن علي الشوكاني
2196
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مسجد من المساجد أو في مدرسة من المدارس اجتمع عليه منهم جمع جم يقارب المائة أو يجاوزها من قوم قد ترشحوا للقضاء والفتيا وطمعوا في نيل الرياسة الدنيوية أو أرادوا حفظ ما قد ناله سلفهم من الرياسة وبقاء مناصبهم والمحافظة على التمسك بها كما كان عليه أسلافهم فهم لهذا المقصد يلبسون الثياب الرفيعة ويديرون على رؤوسهم عمائم كالروابي فإذا نظر العامي أو السلطان أو بعض أعوانه إلى تلك الحلقة البهية المشتملة على العدد الكثير والملبوس الشهير والدفاتر الضخمة لم يبق عنده شك أن شيخ تلك الحلقة ومدرسها أعلم الناس فيقبل قوله في كل أمر يتعلق بالدين ويؤهله لكل مشكلة ويرجو منه القيام بالشريعة مالا يرجوه من العالم على الحقيقة المبرز في علم الكتاب والسنة وسائر العلوم التي يتوقف فهم المعلمين عليها ولا سيما وغالب المبرزين من العلماء تحت ذيل الخمول إذا درسوا في علم من علوم الاجتهاد فا يجتمع عليهم في الغالب إلا الرجل والرجلان والثلاثة لن البالغين من الطلبة إلى هذه الرتبة المتعدين لعلم الاجتهاد هم أقل قليل لأنه لا يرغب في علم الاجتهاد إلا من أخلص النية وطلب العلم لله عز وجل ورغب عن المناصب الدنيوية وربط ننسه برباط الزهد وألجم نفسه بلجام القنوع . فلينظر العاقل أين يكون محل هذا العالم على التحقيق عند أهل الدنيا إذا شاهدوه في زاوية من زوايا المسجد وقد قعد بين يديه رجلٌ أو رجلان من محل ذلك المقلد الذي اجتمع عليه [ 21 ] المقلدون فإنهم ربما يعتقدون أنه كواحد من تلاميذه هذا المقلد أو يقصر عنه لما يشاهدونه من الأوصاف التي قدمنا ذكرها . ومع هذا فإنهم لا يقفون على فتوى من الفتاوى أو سجل من الأسجال إلا وهو بخط أهل التقليد ومنسوب إليهم فيزدادون لهم بذلك تعظيما ويقدمونهم على علماء الاجتهاد في كل إصدار وإيراد ، فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد والحال هذه بشئ من يخالف ما يعتقده المقلده فاموا عليه قومة جاهلية ووافقهم على ذلك أهل الدنيا وأرباب السلطان فإذا قدروا على الإضرار به في بدنه وماله فعلوا ذلك وهم بفعلهم مشكورون عند أبناء . . . . . .